الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معرضان للزوال إن غضب اللّه عليكم . والمقصود : تخويف فرعون من زوال ملكه ، ولكنه جعل الملك لقومه لتجنب مواجهة فرعون بفرض زوال ملكه . والأرض : أرض مصر ، أي نافذا حكمكم في هذا الصقع . وفرع على هذا التمهيد : فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا ، و ( من ) للاستفهام الإنكاري عن كل ناصر ، فالمعنى : فلا نصر لنا من بأس اللّه . وأدمج نفسه مع قومه في يَنْصُرُنا و جاءَنا ، ليريهم أنه يأبى لقومه ما يأباه لنفسه وأن المصيبة إن حلت لا تصيب بعضهم دون بعض . ومعنى ظاهِرِينَ غالبين ، وتقدم آنفا ، أي إن كنتم قادرين على قتل موسى فاللّه قادر على هلاككم . والبأس : القوة على العدوّ والمعاند ، فهو القوة على الضر . قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ تفطن فرعون إلى أنه المعرّض به في خطاب الرجل المؤمن قومه فقاطعه كلامه وبيّن سبب عزمه على قتل موسى عليه السلام بأنه ما عرض عليهم ذلك إلا لأنه لا يرى نفعا إلا في قتل موسى ولا يستصوب غير ذلك ويرى ذلك هو سبيل الرشاد ، وكأنه أراد لا يترك لنصيحة مؤمنهم مدخلا إلى نفوس ملئه خيفة أن يتأثروا بنصحه فلا يساعدوا فرعون على قتل موسى . ولكون كلام فرعون صدر مصدر المقاطعة لكلام المؤمن جاء فعل قول فرعون مفصولا غير معطوف وهي طريقة حكاية المقاولات والمحاورة . ومعنى : ما أُرِيكُمْ : ما أجعلكم رائين إلا ما أراه لنفسي ، أي ما أشير عليكم بأن تعتقدوا إلا ما أعتقده ، فالرؤية علمية ، أي لا أشير إلا بما هو معتقدي . والسبيل : مستعار للعمل ، وإضافته إلى الرشاد قرينة ، أي ما أهديكم وأشير عليكم إلا بعمل فيه رشاد . وكأنه يعرّض بأن كلام مؤمنهم سفاهة رأي . والمعنى الحاصل من الجملة الثانية غير المعنى الحاصل من الجملة الأولى كما هو بيّن وكما هو مقتضى العطف . [ 30 - 31 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ( 31 )